الشيخ محمد الصادقي

484

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

11 - فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شقا لهما عن المادة الأولية : " هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ " ( 11 : 7 ) وشقا فيهما إفناء لهما أخيرا " إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ . . وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ " ( 84 : 3 ) جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ في الفطر الأول أَزْواجاً ذكرا لأنثى وأنثى لذكر وَ جعل لكم مِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً وهو الذي يَذْرَؤُكُمْ إظهارا فِيهِ في فطره الكون ، فإنكم من أبرز البارز وأظهر الظاهر في الكون كله لَيْسَ كَمِثْلِهِ ذاتا وصفاتا وأفعالا شَيْءٌ غيره ، فلا مماثلة بينه وبين خلقه أبدا ، فلا مثل له مهما كان له مثل وهو الآية ، حيث تمثله أمام العقول دون إحاطة : " وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " ( 16 : 6 ) فهو شيء لا كالأشياء ، مهما كانت له تعالى مثلا وآية والكاف هنا تأكيد لنفي أي مثل وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أمثالا له مختلفة . 12 - لَهُ مَقالِيدُ جمع مقلد من القلد : الفتل ، تطويقا مطلقا ل السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فليست منهما لسواه ، ومن ذلك أنه يَبْسُطُ الرِّزْقَ معنويا وماديا لِمَنْ يَشاءُ ه فيشاء اللّه وَيَقْدِرُ ه لمن يشاء ، فليس بسط الرزق وقدره مفوضا إلينا ولا مجبرا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يبسط ويقدر حسب المصلحة الربانية . 13 - شَرَعَ لَكُمْ المسلمين ، بعضا مِنَ الدِّينِ وهو مطلق الطاعة للّه ، ما يدل على وحدة الدين وتعدد الشرايع إليه : " ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها " ( 45 : 18 ) " شَرَعَ " أصل ما وَصَّى بِهِ مهما اختلفت طقوس في ظاهر الأمر نُوحاً وهنا يعبر عن الشرايع الخمس بالوصية ، إلا وحي القرآن ، مما يدل على أن سائر الوحي أمامه وصية ، كأنها ليست وحيا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وحيا جمعيا حاضرا ، و " وَصَّى " مفرد غائب ، لبون بين الوحيين ، ثم بينهما وَما وَصَّيْنا جمعية حاضرة بِهِ إِبْراهِيمَ إذ يفوق وحيه على نوح وَ كذلك مُوسى وَعِيسى " شَرَعَ " ل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ كأصل في الشرايع إليه ، حيث تتوحد الشرائع كلها في " الدِّينِ " وهو الطاعة للّه وحده وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ " وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ " ( 2 : 213 ) كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ باللّه ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من توحيده ووحدة الدين في شرائعه اللَّهُ لا سواه يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ من عباده ، فيوحي إليهم بشرائعه من الدين وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ إليه بالمجتبين من عباده . 14 - وَما تَفَرَّقُوا هؤلاء المتفرقون في الدين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ وحيا إلى الرسل بآيات رسالاتهم بَغْياً وظلما بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مدى التكليف لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ هنا وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ أولاء المتفرقين ، هم غارقون لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ غيرهم ، كأنه مسنود إلى دليل ، وليس إلا العليل . 15 - فَلِذلِكَ الهدف الأسمى من إقامة الدين فَادْعُ يا محمد إلى شرعتك من الدين وَاسْتَقِمْ في شرعتك ودعوتك كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وحي دون تحريف وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ توحيدا في الدين ، عدلا وعدلا ومنه اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ في كافة الشرائع من الدين لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أمام حجة الدين اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا يوم الجمع وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ لذلك الجمع الصائر إليه : " فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ " ( 11 : 112 ) وهي أقوم من استقامتك في نفسك فقط ، اللهم إلا ما هو خارج عن مكنتك .